الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ربّيتني ، إذ لا معنى للجزاء هاهنا اه . فيكون متعلقا ب فَعَلْتُها مقطوعا عن الإضافة لفظا لدلالة العامل على المضاف إليه . والمعنى : فعلتها زمنا فعلتها ، فتذكيري بها بعد زمن طويل لا جدوى له . وهذا الوجه في إِذاً في الآية هو مختار ابن عطية « 1 » والرضي في « شرح الحاجبية » والدماميني في « المزج على المغني » ، وظاهر كلام القزويني في « الكشف على الكشاف » أنه يختاره . ومعنى الجزاء في قوله : فَعَلْتُها إِذاً أن قول فرعون وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [ الشعراء : 19 ] قصد به إفحام موسى وتهديده ، فجعل موسى الاعتراف بالفعلة جزاء لذلك التهديد على طريقة القول بالموجب ، أي لا أتهيّب ما أردت . وجعل موسى نفسه من الضالين إن كان مراد كلامه الذي حكت الآية معناه إلى العربية المعنى المشهور للضلال في العربية وهو ضلال الفساد فيكون مراده : أن سورة الغضب أغفلته عن مراعاة حرمة النفس وإن لم يكن يومئذ شريعة ( فإن حفظ النفوس مما اتفق عليه شرائع البشر وتوارثوه في الفتر ، ويؤيد هذا قوله في الآية الأخرى قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [ القصص : 16 ] ) ؛ وإن كان مراده معنى ضلال الطريق ، أي كنت يومئذ على غير معرفة بالحق لعدم وجود شريعة ، وهو معنى الجهالة كقوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] فالأمر ظاهر . وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير وإبطال لما يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن اللّه ، ولذلك قابل قول فرعون وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ [ الشعراء : 19 ] بقوله : وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ إبطالا لأن يكون يومئذ كافرا ، ولذلك كان هذا أهم بالإبطال . وبهذا يظهر وجه الاسترسال في الجواب بقوله : فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، أي فكان فراري قد عقبه أن اللّه أنعم عليّ فأصلح حالي وعلمني وهداني وأرسلني . فليس ذلك من موسى مجرد إطناب بل لأنه يفيد معنى أن الإنسان ابن يومه لا ابن أمسه ، والأحوال بأواخرها فلا عجب فيما قصدت فإن اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته . وقوله : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ أي فرارا مبتدئا منكم ، لأنهم سبب فراره ، وهو بتقدير
--> ( 1 ) إذ قال : « وقوله : إِذاً صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ » يريد أن ( إذن ) تأكيد دالة على الزمان وقد استفيد الزمان من قوله : فَعَلْتُها أي يومئذ .